خبراء دوليون في الأمم المتحدة بفيينا يناقشون الوقاية من المخدرات أقل تكلفة من علاج آثارها الصحية والاجتماعية.

.
هالة المغاورى فيينا
شهد مقر الأمم المتحدة في فيينا، اليوم 12 مارس 2026 ، نقاشًا دوليًا موسعًا حول التحديات المتزايدة المرتبطة بتعاطي المخدرات وتأثيراتها الصحية والاجتماعية والاقتصادية، وذلك خلال فعالية جانبية عُقدت ضمن أعمال الدورة التاسعة والستين للجنة الأمم المتحدة للمخدرات.
الفعالية، التي حملت عنوان «التكاليف الخفية لضعف الوقاية من المخدرات»، نظمتها مؤسسة MEJORA بمشاركة خبراء في الصحة العامة والسياسات الدولية والوقاية من الإدمان، حيث ناقش المشاركون المخاطر المتزايدة لتعاطي المواد المخدرة، خصوصًا بين فئة الشباب، في ظل تطور أشكال جديدة من الاستهلاك وانتشار منتجات عالية التركيز.
في افتتاح الجلسة، أكدت جولي ديلفو، مديرة البرامج في مؤسسة MEJORA، أن تعاطي المخدرات لم يعد قضية فردية تخص المتعاطي فقط، بل يمثل ظاهرة ذات تأثيرات متشابكة تمتد إلى الأسرة والمجتمع والاقتصاد. وأشارت إلى أن أكثر من 316 مليون شخص حول العالم استخدموا المخدرات خلال العام الماضي، وفق تقارير الأمم المتحدة، محذرة من أن ملايين الأطفال والشباب يجربون المخدرات للمرة الأولى سنويًا.
وأضافت أن فشل الوقاية لا يعني فقط ارتفاع معدلات التعاطي، بل يؤدي أيضًا إلى تضاعف التكاليف التي تتحملها الدول عبر أنظمة الرعاية الصحية وبرامج العلاج والدعم الاجتماعي، مؤكدة أن الوقاية تمثل الاستثمار الأكثر استدامة في مواجهة المشكلة.
وخلال الجلسة، استعرض روبرت غاليبيرت، رئيس مؤسسة أوروبا الخالية من المخدرات، المخاطر المرتبطة بانتشار منتجات القنب الحديثة، مثل السجائر الإلكترونية التي تحتوي على مادة THC والمستخلصات عالية التركيز.
وأوضح أن هذه المنتجات غالبًا ما يُنظر إليها باعتبارها أقل ضررًا من التدخين التقليدي، إلا أن الدراسات تشير إلى أنها قد تعرض المستخدمين لمزيج من المواد الكيميائية والجزيئات الدقيقة التي تدخل مباشرة إلى الرئتين ومجرى الدم.
وأشار غاليبيرت إلى أن بعض مستخلصات القنب الحديثة قد تصل نسبة مادة THC فيها إلى نحو 95 أو حتى 99 في المئة، ما يزيد من احتمالات حدوث مضاعفات صحية خطيرة، بما في ذلك اضطرابات نفسية حادة ونوبات ذهانية.
كما تناولت الجلسة التأثيرات الصحية لتعاطي القنب، حيث قدم الدكتور فرانسيس ندي، الخبير في الصحة العامة وطب العمل، عرضًا لعدد من الدراسات العلمية التي تربط بين استخدام القنب ومجموعة من الأمراض، من بينها أمراض القلب والشرايين واضطرابات الذاكرة والتركيز، إضافة إلى تأثيراته المحتملة على الصحة النفسية.
وأوضح أن تعاطي المخدرات لا يقتصر تأثيره على الصحة الجسدية فقط، بل يمتد ليؤثر في الأداء الدراسي والمهني، كما يزيد من مخاطر الحوادث المرورية نتيجة تراجع القدرة على التركيز والتنسيق الحركي.
وأشار ندي إلى أن التكاليف المرتبطة بتعاطي المخدرات تتوزع بين تكاليف مباشرة تشمل الرعاية الصحية والعلاج، وتكاليف غير مباشرة مثل فقدان الإنتاجية والغياب عن العمل، إضافة إلى أعباء اجتماعية ونفسية تتحملها العائلات والمجتمعات نتيجة تداعيات الإدمان.
وفي مداخلته، شدد فوجينو، الرئيس الحالي لمركز الوقاية من تعاطي المخدرات في اليابان والمسؤول السابق في مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، على أن المجتمع الدولي أكد منذ أكثر من نصف قرن أن الوقاية يجب أن تكون الركيزة الأساسية في سياسات مكافحة المخدرات.
وأشار إلى أن الاتفاقيات الدولية الخاصة بالمخدرات شددت على ضرورة إعطاء الأولوية لبرامج الوقاية والتوعية، إلى جانب العلاج وإعادة التأهيل، موضحًا أن غياب الاستثمار الكافي في الوقاية يؤدي إلى تضاعف التكاليف الصحية والاجتماعية لاحقًا.
كما أعلن عن مبادرة دولية تهدف إلى إنشاء منصة للتعاون وتبادل الخبرات في مجال الوقاية من المخدرات، إضافة إلى تنظيم منتدى دولي في اليابان خلال شهر نوفمبر المقبل بمشاركة منظمات شبابية وخبراء من آسيا وإفريقيا، لبحث سبل تطوير برامج الوقاية وتعزيز دور الشباب في مواجهتها.
وأكد المشاركون في ختام الجلسة أن الوقاية المبكرة، والتوعية المجتمعية، وتعزيز السياسات الصحية القائمة على الأدلة العلمية، تمثل عناصر أساسية للحد من انتشار المخدرات وتقليل آثارها السلبيةى المجتمعات.

