حين تعجز الارض عن احتمال صراخها

بقلم/نشأت البسيوني
حين تعجز الارض عن احتمال صراخها يبدأ البشر في سماع الحقيقة التي حاولوا تجاهلها طويلا الحقيقة التي تقول إن الحروب ليست قدرا وإن النار لا تشتعل وحدها وإن الدم لا يسيل من تلقاء نفسه بل بفعل قرار اتخذه انسان يقف في مكان بعيد لا يسمع صوت الضحايا ولا يرى وجوههم ولا يعرف ما الذي كسر في نفوسهم حين سقطت عليهم السماء مثل حجر ضخم لا يرحم احدا
الحرب ليست ساحة قتال فقط الحرب انهيار فكرة كاملة عن العالم الذي كنا نظنه آمنا الحرب سقوط معنى الطمأنينة التي عاش الناس سنين وهم يظنون انها ثابتة لا تتغير حتى جاء يوم اكتشفوا فيه ان السلام كان هشا جدا وان الضحكات التي ملأت الشوارع كانت مجرد فاصل قصير قبل ان يبدأ العرض الحقيقي عرض الدخان والخراب والبحث عن النجاة في كل مكان بلا ضمان وبلا منطق
في الحروب يتحول الانسان من كائن يفكر في المستقبل الى كائن يبحث عن يوم واحد اضافي يعيش فيه يتحول البيت من مكان يحتضن العائلة الى جدار اسود لا يحمل الا الفراغ يتحول الطريق الذي كان يربط الناس ببعض الى مساحة تخيفهم ويتجنبونها ويتحول الليل الى زمن تتسارع فيه ضربات القلوب كلما سمعوا صوتا لا يعرفون مصدره او رأوا ظلا يتحرك في مكان لم يكن يجب
ان يتحرك فيه شيء الوجوه تتغير في الحرب العيون تفقد بريقها وتكتسب نظرة من رأى اكثر مما يحتمل العمر يصبح ثقيل الخطوات والذاكرة تنقسم نصف منها يحاول ان يهرب بعيدا والنصف الاخر يبقى محبوسا داخل اللحظة التي انفجر فيها كل شيء والاطفال يكبرون قبل اوانهم والكبار يصغرون من شدة التعب والامهات ينظرن الى ابواب البيوت كأنها بوابات قدر لا يعرفن ماذا ستجلب
معها الحرب لا تميز بين احد ولا تسأل عن اسم ضحيتها ولا عن حلمه ولا عن الاشياء الصغيرة التي كان يتمسك بها ليظل واقفا الحرب تأخذ كل شيء بطريقة لا يمكن وقفها مثل موجة عالية تجرف في طريقها كل ما تجده وتترك خلفها ارضا لا تشبه ما كانت عليه قبل دقائق قليلة حتى رائحة الاماكن تتغير حتى الهواء يصبح ثقيل الحركة حتى الزمن نفسه يبدو مكسورا وكأنه يسير من دون
ترتيب والاغرب ان الحروب تبدأ دائما بجملة تبدو عاديا لكنها تنتهي بجمل لا يستطيع الناس نطقها من شدة ثقلها تبدأ بخلاف بسيط بخطأ سياسي بقرار متعجل ثم تتحول الى جبال من الخسائر التي لا تعوض مهما حاولت الذاكرة ان تتجاوزها ومهما حاول العالم ان يعيد بناء ما تهدم فهناك شيء في داخل البشر يسقط مع اول قذيفة ولا يعود ابدا كما كان وعندما تتوقف الحرب لا يتوقف الألم
بل يبدأ شكل اخر منه شكل صامت لا يسمع صوته احد شكل يعيش في تفاصيل صغيرة جدا في نظرة تائهة في يد ترتجف في لحظة صمت لا يفهمها من يجلس على طاولة المفاوضات ولا يدرك معناها من يتحدث عن الارقام والاحصائيات لان الارقام لا تحمل رائحة المدينة التي احترقت ولا تعرف وجوه الذين فقدوا كل شيء
وبين كل هذا يبقى السؤال الذي لا يجد اجابة لماذا يحدث كل ذلك
ولماذا تصر البشرية على تكرار الاخطاء نفسها ولماذا لا يتعلم الانسان من تاريخه مهما كان موجعا ولماذا يبدو السلام حلما بينما الحرب هي الواقع المتكرر وهل يمكن حقا ان يأتي يوم تنجح فيه الارض في اسكات صراخها ام ان هذا الصراخ سيظل جزءا من هوية العالم مهما حاول الهرب منه هذا ليس ندبا للحياة ولا انهزاما امام الواقع لكنه محاولة لرؤية الحقيقة كما هي بلا تجميل بلا تهرب
بلا اوهام فالارض التي تتعب تحتاج الى صوت يقول كفى والبشر الذين انهكتهم المعارك يحتاجون الى من يذكرهم ان الحياة تستحق ان تعاش وان الموت لا يجب ان يكون هو القرار الاول وان الحروب ليست طريقة لبناء عالم افضل بل طريقة مضمونة لتحطيمه



