Uncategorized

معرض الكتاب صناعة وعي أم تجارة ورق الممر مئة وأربعه

يثور في كل ممر ثقافي سؤال هل ما زال هناك من يقرأ أم أن معارض الكتب تحولت إلى مهرجانات شكلية ورحلات ترفيهية ومجاملات متبادلة أكثر منها منصات جادة لصناعة الوعي والمعرفة

لا يمكن إنكار أن معرض الكتاب في جوهره فكر وافر فوجد ليكون فضاء حيوي لتداول المعرفة وجسر ثقافي بين الكاتب والقارئ ومؤشر على نبضها غير أن الواقع الراهن يكشف عن مفارقة مؤلمة إذ يبدو أن هذا الحدث الثقافي الكبير قد انزاح في كثير من الأحيان عن مساره داخل الممر وعن رسالته الأصلية ليقع في فخ الاستعراض الاجتماعي والتجاري

فالرحلات الجماعية التي تنظم إلى المعارض رغم ظاهرها الثقافي الا انها تتحول إلى نشاط ترفيهي خالي من أي تفاعل معرفي وها نحن نري التقاط الصور بجوار المؤلفات وتباهي البعض بأنه عندما يلتقط صورة لنفسه داخل المعرض أصبح الاديب الأريب والروائي العالمي والمثقف الذي تطبع صورته علي صرح العلم والثقافة فالاغلبيه تتجول بين الأجنحة ثم تغادر دون أن تترك أثر يذكر على مستوى الوعي أو التفكير وهكذا يتحول الكتاب من أداة بناء عقل إلى مجرد ديكور في مشهد عام يفتقر إلى العمق

أما دور النشر فليست جميعها بالطبع في موضع الاتهام غير أن قطاع كبير منها بات يتعامل مع الكتاب بوصفه سلعة سريعة التداول لا مشروع فكري طويل الأمد فالمعيار لم يعد هو القيمة المعرفية أو الجديه الفكرية بل سهولة التسويق وكثرة المبيعات والقدرة على استقطاب جمهور عريض ولو على حساب العمق وهنا تظهر كتب تطبع لا لأنها تضيف شيئ إلى الوعي بل لأنها تواكب موضة فكرية أو تيار عاطفي عابر

وتكمن الأزمة الحقيقية في نوعية ما يقدم من محتوى فجزء كبير جدا من الإصدارات يدور في فلك اللاشيء عناوين براقة ولغة منمقة ومضامين فارغة لا تسهم في بناء عقل نقدي ولا تنتج وعي تاريخي أو حضاري أو معرفي رصين إنها كتب تملأ الفراغ ولا تملأ العقل ترضي الذائقة الهوائية السطحية ولا توقظ الضمير الفكري ولا تحرك ساكن لمن يمتلك البصيره

والسؤال هل يرتقي هذا الممر إلى مستوى الفكر الواعي الإجابة المؤلمة ليس بالقدر المأمول فالفكر الواعي لا يقاس بعدد الزوار ولا بحجم المبيعات بل بقدرته على إحداث تحول في طريقة التفكير وعلى إيقاظ الأسئلة المسكوت عنها ولو بالأسقاط وعلى تحفيز العقل على الشك والتحليل والنقد

إن أزمة معرض الكتاب ليست أزمة تنظيم أو دعاية بل أزمة فلسفة ثقافية نحن بحاجة إلى إعادة تعريف معنى القراءة ودور الكتاب ووظيفة النشر بحيث تعود الثقافة إلى موقعها الطبيعي كقوة تغيير لا كمنتج استهلاكي فالممرات لا تبنى بالصور التذكارية ولا بالرحلات الموسمية بل تبنى بعقول قارئة وضمائر واعية ومشروعات فكرية عميقة
ومؤسسات تدعم الهوية

وفي نهاية الممر ليس المطلوب إدانة المعرض ولا التشكك في جدوى الكتاب بل استعادة المعنى المفقود أن يكون الكتاب فعل يقام اضمحلال وأن يكون المعرض مساحة وعي لا سوق تحقيق المبيعات وأن يكون النشر رسالة قبل أن يكون صفقة فبدون ذلك سنظل نحتفل بالكتاب ودور النشر بينما نبتعد عن القراءة

لقد شهد الممر لحظة كان فيها الكتاب مشروع تغيير لا منتج للمستهلك حيث لم تكن الكتب تنشر لتباع بل لتحدث التغيير في طريقة التفكير. أما الآن فقد انقلب المشهد تباع الكتب بينما يتراجع أثرها في تشكيل الوعي في مفارقة تفضح أزمة الثقافة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى