خير وأطهر بقاع الأرض

بقلم / محمـــد الدكـــروري
لقد ظلت الكعبة المشرفة على بناء قريش حتى جاء سيل جارف في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فاقتلع السيل مقام إبراهيم وجرفه إلى أسفل مكة، فلما أن وصل الخبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه قدم بنفسه من المدينة إلى مكة ورد المقام إلى مكانه ملاصقا للكعبة، ثم إنه أبعده بعد ذلك عن الكعبة إلى موضعه الآن حتى لا يضايق المصلين الطائفين، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم باتخاذ مقام إبراهيم مصلى، فلم يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم لذلك لأنه لم ينزل عليه فيه شيء، فنزل قول الله عز وجل ” واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى” فوافق القرآن الكريم رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولما تولى عثمان بن عفان الخلافة رضي الله عنه اشترى دورا بجوار المسجد، ثم قام بتوسعته واتخذ له رواقا مسقوفا، وهو أول رواق أظل المسلمين، وإن بيت الله الحرام هو خير بقاع الأرض وأطهر بقاع الأرض.
ولقد كان هذا البيت ولا يزال مكانا يأوي إليه الخائفون، ويرفع عنده حوائجهم السائلون، من نزلت به النوازل وتوالت عليه الكروب، أمّ البيت العتيق ورفع حاجته إلى الله من الملتزم أو من عند الحطيم وزمزم لما في نفوسهم من تعظيم لهذا البيت، وقد ذكروا أنه لما حج هشام بن عبد الملك دخل الكعبة فإذا هو بسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب يطوف وبيده حذاء مقطع وعليه ملابس لا تساوي إلا دراهم، فاقترب منه وسلم عليه وقال “يا سالم ألك إلي حاجة؟” فنظر إليه سالم نظرة استغراب ثم قال “يا سليمان وهو خليفة المسلمين في ذلك الزمان”أنا في بيت الله وتريد مني أن أرفع حاجتي لغير الله” لسان حاله يقول له أما تستحي ونحن في البيت العتيق، وعند الركن والمقام، كأنه يقول له أما تعلم أنه هنا تسكب العبرات، وترفع الدعوات، ثم تركه هشام يكمل طوافه بالبيت العتيق، فلما خرج تبعه قال “أبيت ونحن في الحرم وقد خرجنا الآن” فقال له سالم “أرفع لك حاجة من حوائج الدنيا، أمن حوائج الآخرة”
فقال سليمان “يا سالم حوائج الآخرة لا يملكها إلا الله، من حوائج الدنيا” فقال سالم “يا سليمان والله ما طلبت حاجة من حوائج الدنيا ممن يملكها فكيف أطلبها ممن لا يملكها” لقد كنا عظماء فانحنى الشرق والغرب لنا، ولم تزل الكعبة على بناء قريش حتى احترقت في أول إمارة عبد الله بن الزبير بعد سنة ستين من الهجرة لما حاصره بنو أميه, ورموا الكعبة بالمنجنيق فاحترقت وتصدعت حيطانها، حينئذ نقض هدم الزبير وبناها على قواعد نبى الله إبراهيم وأدخل فيها الحِجر، وجعل لها بابا شرقيا وبابا غربيا وذلك لأنه سمع خالته السيدة عائشة رضي الله عنها تقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها ” يا عائشة لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لهدمت البيت حتى أدخل فيه ما أخرجوا منه فى الحجر، فإنهم عجزوا عن نفقته، وجعلت له بابين، بابا شرقيا، وبابا غربيا، وألصقته بالأرض ووضعته على أساس إبراهيم” فلما قتل عبد الله بن الزبير هدم الحجاج الكعبة وأعادها على بناء قريش.
بعد أن إستأذن الخليفة عبد الملك بن مروان، وظلت على هذا البناء حتى جاء هارون الرشيد أو المهدى، فسأل الإمام مالك عن هدم الكعبة وإعادتها على قواعد إبراهيم، فقال له مالك “يا أمير المؤمنين لا تجعل كعبة الله ملعبة للملوك، لا يشاء أحد أن يهدمها إلا هدمها” فترك ذلك، ولا تزال هكذا إلى آخر الزمان، إلى أن يأذن الله بخرابها على يد ذو السويقتين، وقد روي أن أول من كساها هو نبى الله إسماعيل عليه السلام وكانت تكسى القباطي، وأول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف، وفي الجاهلية كانت تكسى في يوم عاشوراء، ثم صارت تكسى في يوم النحر، وكانت كسوة الكعبة تصنع في مصر ثم صارت تصنع بالمملكة من الحرير الطبيعي الخالص والكتابة التي عليها بأسلاك الفضة المطلية بالذهب، ولقد أحب الله تعالى بقعة من الأرض، وحرمها قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فلما خلق السماوات والأرض.
ولقد كان تحريم هذه البقعة المباركة وهي بقعة البيت العتيق، بيت الله الحرام مكتوبا عند الله عز وجل في اللوح المحفوظ، قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وبقيت هذه البقعة ما شاء الله أن تبقى، من أول البشرية إلى أن ظهر إبراهيم الخليل، فأمره الله تعالى أن يرحل من الشام إلى هذه البقعة، وأن يأخذ معه وليده إسماعيل، الذي جاءه على حين كبر من سنه، وأمه هاجر، ليضعهما في ذلك المكان، وكان مكانا مقفرا موحشا، بواد غير ذى زرع ولا ضرع، ولا أنيس، ويولي ظهره وينصرف، وفي ذلك ابتلاء عظيم لإبراهيم الخليل في ولده إسماعيل، يتركه وهو مشتاق إليه جدا، فقد جاءه بعد هذه السنوات الطويلة التي عاشها بلا ولد، ليتركه في مكان، ظاهر الأمر أنه هلكة، وليست هذه هي الابتلاءة الوحيدة للخليل في إسماعيل، فستكون هناك ابتلاءة أكبر بذبحه.


