ريشة في ساحة المعركة

الكاتبة الإعلامية: ندين نبيل عبدالله أبو صالحه
الجزء التاسع والعشرون – “الختم ينكسر”
القط شيطانة صرخت صرخة شقت القبو: “الكذب ما بموت… الكذب بيتخبى!”
هون بلشت الحقيقة تبين وتوضح. كل متخبي لا بد يوضح وتنكشف. بس الحقيقة آخرتها كالشعاع… مهما طال الزمان من مجريات الحياة.
النور الأبيض من قلادة “شعاع” ضرب على “الختم” الأحمر. القبو كله انشق نصين. الدخان الأسود من النبيذ المغشوش بلش ينسحب لجوا القلادة الكبيرة زي ما يكون عم يشرب غضبه.
القط شيطانة انرمت لورا واتخبطت بالحيط. قناعها انكسر. نص وجهها الجميل انحرق ونص الجمجمة المحروقة بلشت تدخن.
“مين إنتِ؟” صرخت فيني وعيونها الصفرا عم تدمع دم. “مين علمك الشعاع؟”
ما جاوبتها. النمر الكبير وقف فوقها، بس ما هجم. زأر زئير طويل كأنه بيقول: “احكي الحقيقة قبل ما تموتي”.
ضحكت وهي بتبكي: “بدكم تعرفوا كيف الراهب تلبسته؟ طيب اسمعوا… خليني أرجعكم للماضي، للعصر اللي انكتبت فيه أول
كان هو راهب طيب، بحب الخير للجميع. متقرب لله بعبادته، ويقدم هدايا للفقرا. بيوم كان عم ينضف مكان بالكنيسة، لقى مغارة مخفية داخل الكنيسة. على بابها مخطوطة قديمة.
بالليل كان يسمع أصوات من المغارة: بكاء أطفال جوعانين “طعمونا… طعمونا”. رش ماء مقدس على المداخل، وحط شموع… ما فاد.
بيوم اكتمل القمر لآخر الشهر، دخل المغارة مع سراج. كل ما يتعمق، الريحة بتكره أكتر. الأرض طين أسود زي القطران، وتحت رجليه عظام بتتكسر وبتعمل صوت.
فجأة شاف امرأة، شعرها منكوش، أسنانها مكسرة ولها أنياب، وأظافرها طوال بتخوف. ناداها “توقفي” بس ما ردت. ركضت وهو لحقها لعند حجر كبير مسدود. الحجر بلش يحكي: “اتخبوا… اتخبوا”.
رجع مفزوع للمخرج. وهو راجع تذكر المخطوطة اللي لقاها. فتحها بإيدين متسخات طين. كانت إنجيل قديم بس صفحتين منه ممزوعات.
بجهل منه، كتب الصفحتين الناقصات بخط إيده بقلم حبر أزرق… ونسي قدسية الإنجيل. خط الحبر الأزرق دنس الكتاب المقدس، وحط الورقتين مفتوحات بكتاب زجاج عشان المتعبدين يقرأوها.
في للحظة هذة اعتقد إنه تلبس بالقط شيطانة.
الشريرة اللي كانت عايشة بالمغارة عندها أطفال شياطين جوعانين. لما نضف المكان بالماء المقدس، دخلت امرأة ما بتعرف إن الدخول ممنوع. كانت نظيفة وما دعست على شي. شافت الورقتين المكتوبات بالحبر الأزرق بالكتاب المفتوح… قرأت اللي انكتب وما فهمت.
قبل الغروب شافت فتحة المغارة. استأذنت وطلعت، وأذان المغرب كان يأذن. بالليل إجاها منام: القط شيطانة بتقول “دنستي مكاننا وإحنا عطشى”. حاولت تقتلها بالمنام بس ما قدرت. جابت بنتها وقالت “جوعانة، قتلتي أمي رح أنتقم”.
المرأة شافتها بالمراية وقتلتها قبل ما تقتلها. تخلصت منهم.
بس الراهب الطيب… هو اللي تلبس فيه الشرير المتنكر. هو مش الراهب الحقيقي . هو اللي كتب بالحبر الأزرق ودنس المقدس، ففتح باب للقط شيطانة تسكنه ساعة أنثى وساعة ذكر.
القط شيطانة وقفت وهي تتمايل. القلادة “الختم” بلشت تتشقق: “فهمتي؟ أنا مش شر مطلق. أنا جوع انحرم. أنا صفحتين ناقصات انكتبوا بيد بشر”.
النمر الصغير ركض لعند الظل “رقم صفر” وفك الخيط الذهب من فمه. الظل فتح عيونه المسكرة… وكانت عيونه بيضا زي النمر الصغير.
همس الظل بصوت أطفال كلها مع بعض: “الكذب ما بموت… بس الحقيقة بتعيش”.
القط شيطانة شهقت آخر شهقة. القلادة “الختم” انكسرت نصين ووقعت. والجسم اللي قدامنا بلش يذوب… نصه دخان أسود، ونصه نور أبيض زي شعاع.
آخر كلمة قالتها قبل ما تختفي: “جبروت وقسوة… لسه في غيري متلبس. الراهب مش الوحيد”.
الممر كله سكت. القناني وقفت انفجار. الدم اللي على الحيط بلش ينشف ويتحول لكتابة.
ليلى مسكت إيدي وهي بترجف: “الحقيقة طلعت من القبو يا ريشة. بس طلعت مجروحة”.
النمر الكبير لف راسه على الدرج. من فوق، سمعنا صوت أقدام كتير نازلة… مش خطوات بشر. خطوات رهبان، بس كل واحد فيهم لابس طوق برقبته.
والطوق معلق فيه قلادة… كل قلادة محفور عليها كلمة مختلفة: “الكذب”، “السكوت”، “الخوف”، “النفاق”.
الضابط بلع ريقه وقال: “الراهب مش الوحيد المتلبس… هاي دير كامل”.
نزل أول راهب من الظلمة. وجهه وجه إنسان، بس عيونه صفرا زي القط شيطانة. ابتسم ورفع إيده وورّانا العلامة: ثلاث أصابع مغلقة واثنتين مفتوحات.
“أهلاً يا ريشة” قال بصوت الراهب اللي مات. “تأخرتي على الاجتماع”.
يتبع بي العددالقادم


