Uncategorized

طهروانية خداع وملائكية شيطانية بين مريد ودرويش

بقلم محمد جابر
الممر مئة واثنان وعشرون

لو انهمرت السماء عليهم مدرارا من الوهم والوعظ ولو أتيح لك أن ترى بنور البصيرة لأبصرتهم يهرعون حاملين مظلاتهم ويرتدون نظارات قاتمة لا ليتقوا المطر بل ليتجنبوا الحقيقة

يتحطم المعنى ويعاد تشكيله وفق ما يريده واقع مزيف لا وفق ما تقتضيه الحياة الواقعية حيث تتمايع الوجوه وتتمايل حتى تفقد ملامحها وتختلف الوجوه وتتساقط الأقنعة حتى تصبح هي الأصل هنا لا شيء يبدو كما كان حيث يتحول الخداع في السلوك من حالة عابرة إلى يقين يتداوله الجميع دون خوف أو مراجعة تصديق أعمى يتبعه تصفيق غافل

في هذا الممر كل شيء يشبه الكأن لكن الكأن هنا ليس احتمالا بل سلطة تعيد تعريف الواقع فالمريد لا يفكر ولا يبحث بل يسلم ذاته دمية تتلقى والدرويش لا يكف عن الانجذاب والتراقص بل يستمر في الهدهدة أما مدعي الطهروانية فلا يتطهر بل يتقن إخفاء شيطانه خلف قناع ملائكي محكم حتى يصدق نفسه قبل أن يصدقه من حوله

هنا في هذا الممر كل حركة مدروسة وكل كلمة منحرفة عن مسارها الحقيقي بما يكفي لخداعك فكل صورة مصممة كي تقودك خطوة نحو التصديق حتى يصبح الوهم أكثر تماسكا من الحقيقة ويغدو التماهي أسهل من الفهم ويصبح الكذب كأنه الصدق

وعند هذه النقطة تنكشف الحقيقة التي يحاول الجميع الهروب منها ليس الأقدر من يتصدر الممر وليس الأصدق من يسمع له بل الأكثر طاعة الأكثر قابلية للانصهار الأكثر استعدادا لأن يفقد نفسه دون مقاومة هنا لا يبدأ الفساد بل يكتمل ويتزين لأن الإنسان حين يتخلى عن وعيه لا يحتاج من يضلله بل يكتفي أن يجد من يصفق له هكذا يصدق نفسه ويصدقه الغافلون

ومن هذا المنطلق يبدأ السقوط الكبير ليعقبه الهروب الأكبر وجوه تصفق بلا وعي روابط تستدرج بلا مقاومة رسائل تعد بلا نية للوفاء وعود تلمع ثم تختفي يقين ينتزع بهدوء وخصوصية تسلب دون مقاومة والفنكوش الرقمي لا يخدعك بل يعيد برمجتك لتقبل الخداع وتبحث عنه وتدافع عنه كأنه إنجاز

المنصات لا تصنع معرفة بل تصنع صخب والصخب لا يخفي الحقيقة بل يدفنها والطهر الشيطاني لا يرتفع لأنه قوي بل لأنه مريح يمنحك شعور زائف بالنقاء ويعفيك من عناء التفكير ولهذا يتقدم الأقل كفاءة لا لأنه أفضل بل لأنه أخف وزن لا يحمل سؤال ولا يقاوم توجيه ولا يزعج أحدا بحقيقته

الحضور لم يعد جمهورا بل أصبح انعكاس لواقع مشوه يرى فيه كل فرد ما يريد أن يراه نفس الوجوه نفس العبارات نفس الدوران في ذات الدائرة حتى يتحول التكرار إلى يقين وتصبح الدروشة شكل من أشكال النجاة

الشيطان هنا لم يعد فكرة بل ممارسة حياتية لم يعد يوسوس لك بل يتحدث بصوتك ويبرر أفعالك ويقنعك أنك على صواب بينما أنت تتنازل خطوة بعد خطوة حتى تصل إلى مرحلة لا تعود فيها قادرا على التمييز بين ما اخترته وما فرض عليك هنا يلتقي المريد بالدرويش على مائدة مدعي الطهر حيث تقدم الملائكية طبقا مغطي بأحكام لإخفاء الشيطان

وهنا يأتي السؤال الذي يهرب منه الجميع الاختبار الحقيقي ليس أن تصعد بل أن ترفض ليس أن تشارك بل أن تمتنع لأن المشاركة هنا ليست حيادا بل انحيازا صريحا للزيف والوهم كم مرة صمت لأنك خفت وكم مرة وافقت لأنك أردت أن تبقى وكم مرة أقنعت نفسك أن الأمر لا يستحق بينما كنت تدرك في داخلك أنك تتنازل عن كل شيء وأغلى شيء

الممر لا يخدع أحدا الممر يكشف من يستسلم ومن يقاوم من يدخل حلقة الدرويش ومن يبقى مريد لكن الحقيقة التي لا يريد أحد مواجهتها أن هذا الممر لا يستمر بمن يصنعونه بل بمن يقبلون به ويألفون خداعه فيألفهم مريدوه

وهكذا يبقى الممر شاهد على الخداع شاهد على الإنسان حين يختار الوهم لأنه أسهل وعلى العقول حين تفضل الراحة على الحقيقة وعلى الحضور حين يبيع صوته مقابل شعور زائف بالانتماء شاهد على فراغ ملئت به عقولهم

وهنا أعاود السؤال ليس هل كنت ترى بل هل كنت تريد أن ترى وهل كنت شاهد أم كنت حلقة في سلسلة الوهم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى